محمد جمال الدين القاسمي
154
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
التوحيد . وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل . وهو ثلاثة أقسام : تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه . وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله . وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد . ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود ، الذين يقولون : ما ثمّ خالق ومخلوق ، ولا هاهنا شيئان . بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه . ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديّته وإنه لم يكن معدوما أصلا . بل لم يزل ولا يزال . والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها . يسمونها العقول والنفوس . ومن هذا أشرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهميّة والقرامطة . فلم يثبتوا له اسما ولا صفة . بل جعلوا المخلوق أكمل منه . إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها . فصل النوع الثاني . شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته . كشرك النصارى الذي جعلوه ثالث ثلاثة . فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها . ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة . ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه ، وإنها تحدث بدون مشيئة اللّه وقدرته وإرادته . ولهذا كانوا من أشباه المجوس . ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه : إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ البقرة : 258 ] . فهذا جعل نفسه ندّا للّه ، يحيي ويميت بزعمه . كما يحيي اللّه ويميت . فألزمه إبراهيم ، عليه السلام ورحمة اللّه وبركاته ، أن طرد قولك ، أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي اللّه بها منها . وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل ، بل إلزاما على طرد الدليل إن كان حقا . ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم . كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم . ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم . ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة . ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة . ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة ، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه ، أقبل إليه واغتنى به . ومنهم من يزعم أنه معبودهم الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه . والفوقانيّ يقربه إلى من هو فوقه . حتى تقربه تلك الآلهة . إلى اللّه سبحانه . فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل .